الكنيسة

القديس أغسطينس البحث عن الله

قصة حياة القديس أغسطينس

11 مشاهدة
القديس أغسطينس البحث عن الله

هناك قديسون نعرفهم من المعجزات التي صنعوها، وقديسون نعرفهم من استشهادهم، وقديسون ارتبط اسمهم بالرهبنة أو بالصلاة أو بالتبشير. لكن هناك قديسًا مختلفًا، كأن سيرته ليست فقط قصة رجل صار قديسًا، بل قصة قلب بشري ظلّ سنوات طويلة يركض وراء أشياء كثيرة، قبل أن يكتشف أن ما كان يبحث عنه في الخارج كان ينتظره في أعماقه.

هو القديس أوغسطينس، أسقف هيبّو، أحد أعظم آباء الكنيسة وأكثر الشخصيات تأثيرًا في الفكر المسيحي الغربي. عاش بين سنة 354 و430، وترك وراءه نتاجًا هائلًا من الكتب والعظات والرسائل، لكن كتابه الأشهر،"الاعترافات"، جعل منه واحدًا من أكثر الأصوات صدقًا في الحديث عن أعماق النفس البشرية.

لم يكن أوغسطينس قديسًا منذ طفولته. كانت حياته رحلة طويلة من الضياع والصراع الفكري والأخلاقي. لذلك تكمن عظمته في أنه لم يصل إلى الله عبر طريق مستقيم، بل عبر طريق مليء بالمنعطفات.

وُلد أوغسطينس في 13 تشرين الثاني سنة 354 في تاغاستي في شمال أفريقيا، في منطقة تقع اليوم في الجزائر. كان والده باتريسيوس وثنيًا، لكنه تعمّد قبيل وفاته، بينما كانت والدته مونيكا مسيحية مؤمنة تركت في حياة ابنها أثرًا عميقًا جدًا.

كان أوغسطينس، منذ شبابه شديد الذكاء، وشديد العطش إلى المعرفة. درس النحو والبلاغة، ثم ذهب إلى قرطاجة، التي كانت من أهم المراكز الثقافية في شمال أفريقيا الرومانية.

هناك بدأ الشاب الذي يريد أن يعرف كل شيء يكتشف أيضًا أنه يريد أن يعيش كل شيء.

في قرطاجة أقام علاقة عاطفية استمرت نحو أربعة عشر عامًا، أنجبت له ابنًا اسمه أديوداتوس. لم يكن أوغسطينس في تلك المرحلة رجلًا عابرًا في الحياة إنما كان يريد المجد والنجاح، وكان يريد أيضا أن يعرف الحقيقة.

في نحو الثامنة عشرة من عمره، قرأ أوغسطينس كتابًا للفيلسوف Hortensius

فبدأت نقطة التحول. قرأ الفلسفة، وتعمق بمدارس فكرية مختلفة.

انجذب إلى المانوية، وهي حركة دينية ذات جذور فارسية تبنّت تصورًا ثنائيًا للكون، يقوم على صراع بين مبدأ الخير ومبدأ الشر. ظل أوغسطينس قريبًا منها نحو تسع سنوات محاولا تفسير هذه المعضلة. ومع مرور السنوات بدأ يكتشف أن المانوية لا تعطيه الجواب الذي يبحث عنه.

سافر أوغسطينس إلى روما، ثم انتقل سنة 384 إلى ميلانو، حيث أصبح أستاذًا للبلاغة. ذهب إلى القديس أمبروسيوس، أسقف ميلانو

لأنه كان مهتمًا ببلاغته وخطاباته،  فعلّمه أمبروسيوس، من

خلال تفسيره الكتابي أن الكتاب المقدس لا يُختزل دائمًا في المعنى الحرفي السطحي، وأن وراء الكلمات أبعادًا روحية أعمق.

وفي ميلانو أيضًا تعرّف إلى كتابات أفلاطونية محدثة، وجد فيها إجابات عن طبيعة الله والروح والحقيقة، لكنها بقيت بالنسبة إليه ناقصة: لقد قادته الفلسفة إلى عتبة الحقيقة، لكنها لم تمنحه المسيح.

بلغ الصراع ذروته في صيف سنة 386

كان أوغسطينس في الحديقة، يفكر، ممزقًا بين الإنسان الذي عاشه والإنسان الذي يشعر أن الله يدعوه إليه

فجأة سمع صوت طفل، كما يروي في الاعترافات، يقول: "خذ واقرأ". فتح النص الذي كان إلى جانبه، وقرأ مقطعًا من رسالة القديس بولس إلى أهل روما يدعوه إلى ترك حياة الخطيئة والعيش في المسيح.

في تلك اللحظة، يقول أوغسطينس إن نورًا من اليقين دخل قلبه. كانت هذه نهاية الهروب.

استقال من منصبه في البلاغة، وانسحب إلى كاسيشياكوم قرب ميلانو، حيث أمضى فترة في التأمل والحوار الفلسفي والروحي

ثم تعمّد في ميلانو على يد أمبروسيوس في عيد الفصح سنة 387، وكان ابنه أديوداتوس معه في المعمودية.

عندما نكتب سيرة أوغسطينس لا بد من أن نذكر مونيكا أمه التي

كانت أكثر من شخصية عائلية في حياته، كانت ذاكرة الصلاة التي لم تنطفئ. سنوات طويلة وهي ترى ابنها بعيدًا عن الطريق الذي تؤمن به، و كانت تصلي...وتصلي...

بعد معموديته، عاد أوغسطينس إلى شمال أفريقيا، ليعيش حياة تأمل وصلاة مع أصدقائه. لكن قبل أن يصل، توفيت مونيكا في أوستيا سنة 388. فكانت تلك واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته.

كان الله، يأخذه دائمًا إلى حيث لا يتوقع. ففي سنة 391،

ذهب إلى مدينة هيبّو، حيث كان الأسقف فاليريوس يحتاج إلى كاهن يساعده. وهناك، رُسم أوغسطينس كاهنًا. وبعد سنوات قليلة، نحو سنة 395 أو 396، أصبح أسقف هيبّو.

هكذا انتهت حياة الأستاذ الذي كان يريد الشهرة، وبدأت حياة الراعي.

كان أسقفًا جعل من الكنيسة مدرسة للروح، لكنه استمر في البحث عن الله.

أوغسطينس لم يكن لاهوتيًا يعيش فوق الناس، بل اسقفا نزل إلى مستواهم. تشير المصادر إلى أن نشاطه الرعوي كان هائلًا، وأنه ترك عددًا كبيرًا من العظات والرسائل وقد وصل إلينا من أعماله نحو مئة كتاب، وحوالي ثلاثمئة رسالة، ونحو ستمئة عظة، إضافة إلى أعمال أخرى لم تصل كاملة.

لكن بين كل هذا الإنتاج، هناك كتاب من القلب:"الاعترافات". هو ليس سيرة ذاتية، بل صلاة طويلة، حوار بين الإنسان والله.

أوغسطينس لا يروي حياته فقط، إنه يعيد قراءتها على ضوء النعمة. يرى خطاياه لكنه يرى أيضًا يد الله التي كانت تعمل بصمت حتى في السنوات التي كان هو يظن فيها أنه بعيد عن الله.

من أشهر أفكاره: "لقد خلقتنا لك، وقلبنا لا يستريح إلا فيك."

هذه الجملة تختصر أوغسطينس كله. فالإنسان عنده لا يشبع بسهولة. يبحث عن الحب، والنجاح، والجمال، واللذة، والمعرفة، والسلطة، لكن كل هذه الأشياء، لا تستطيع أن تكون الله، لذلك يبقى القلب جائعًا، وهذا الجوع ليس عيبًا في الإنسان، إنه علامة على أن الإنسان مخلوق لامتناهِي. كان يرى أن الإنسان ليس مجرد جسد يتحرك في العالم، بل سر داخلي. ولهذا أصبحت الذاكرة عنده موضوعًا روحيًا وفلسفيًا عميقًا.

بعد سنوات المانوية، صار أوغسطينس مقتنعًا بأن الشر ليس قوة إلهية مقابلة للخير. هو، في جوهره، نقص في الخير.

فالشيء لا يصبح شريرًا لأنه يحمل جوهرًا شريرًا مستقلًا، بل لأنه يفتقد الخير الذي ينبغي أن يكون فيه. وقد ساعد هذا التصوّر أوغسطينس على تجاوز الثنائية المانوية.

هناك خالق واحد صالح، وكل ما خلقه في أصله صالح، لكن الخليقة يمكن أن تنحرف عن ترتيب الخير.

كان يؤمن بأن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأن الإرادة ليست وهمًا.

لكنه رأى أيضًا أن الإنسان الجريح بالخطيئة لا يستطيع أن يخلّص نفسه بنفسه. وهنا تأتي النعمة.

فأصبحت النعمة محورًا أساسيًا في فكره، خصوصًا في مواجهته مع التيار البيلاجي الذي شدد على قدرة الإنسان الأخلاقية وعلى مسؤوليته، بينما شدد أوغسطينس على أولوية نعمة الله في الخلاص.

إذا أردنا اختصار روحانية أوغسطينس بكلمة واحدة، فقد تكون

الحب. هو الذي قال "أحبب وافعل ما تشاء".

إذا أحببت الله فوق كل شيء، انتظمت حياتك.

في سنة 410 سقطت روما، وكان وقع الحدث هائلًا على العالم الروماني. فكتب أوغسطينس كتابه الضخم «مدينة الله» .

بدأه بعد سقوط روما، وأكمله نحو سنة 426، وفيه يطرح رؤية عميقة للتاريخ. هناك مدينة الإنسان، التي تقوم على حب الذات، وهناك مدينة الله، التي تقوم فقط على حب الله.

المدينتان ليستا دولتين سياسيتين منفصلتين. إنهما اتجاهان داخل قلب الإنسان.

ومن هنا يرفض أوغسطينس أن يربط ملكوت الله بأي إمبراطورية بشرية.

لم يكن أوغسطينس فقط رجل الاعترافات والنعمة والخطيئة.

كان أيضًا أحد أهم آباء الكنيسة في التفكير في سر الثالوث. يقال ان

القديس أغسطينوس كان يمشى على شاطئ البحر و

  كان يفكر بعمق في محاولة فهم سر الثالوث الأقدس وعظمة الله

رأى طفلاً صغيراً يحفر حفرة في الرمل

  كان الطفل ينقل ماء البحر بصدفة بحرية ويصبّه داخل الحفرة

  سأل أغسطينوس الطفل عما يفعله

  أجاب الطفل بأنه يحاول إفراغ المحيط كله في تلك الحفرة الصغيرة

  أخبره أغسطينوس أن هذا مستحيل لأن المحيط أكبر بكثير من الحفرة

  ردّ الطفل قائلاً إن وضع المحيط في الحفرة أسهل بكثير من محاولة استيعاب عظمة الله وسر الثالوث بعقلك البشري المحدود.

 أما الكتاب المقدس. لم يعد بالنسبة إليه مجرد كتاب ديني، كان يرى فيه كلمة الله التي يحتاج فهمها إلى عقل، وإيمان، ومحبة.

في السادسة والسبعين من عمره مرض أوغسطينس، فأمضى أيامه الأخيرة في الصلاة والتوبة. توفي في 28 آب سنة 430 في هيبّو.

مات الرجل لكن كلماته لم تمت. كان يقول أن الإنسان يعرف عن الله كثيرًا، لكن لا يعرف الله. ولهذا كانت رحلته في النهاية رحلة من امتلاك الحقيقة كفكرة إلى لقاء الحقيقة كشخص. 

ربما أجمل ما في قصة أوغسطينس أنه لم يصبح قديسًا لأنه لم يسقط

بل لأنه، بعدما سقط، سمح لله أن يقيمه.

لم تكن قداسته إنكارًا لماضيه، بل تحويل الماضي إلى شهادة.

وهكذا يمكن أن نقرأ حياة أوغسطينس كصلاة واحدة :

يا رب، كنت أبحث عنك في كل مكان، بينما كنتَ أنت تبحث عني.

وهذه ربما هي عظمة أوغسطينس الحقيقية.

ومن هنا تبقى كلمات أوغسطينس حيّة في الكنيسة وفي قلب كل إنسان يبحث: لقد خلقتنا لك، وقلبنا لا يستريح إلا فيك.