الكنيسة

مريم... جسرا بين المسيحيين والمسلمين

هي مكرّمة عند المسيحيين، ولكنها في الإسلام أيضاً تحتل مقاماً فريداً؛ فهي المرأة الوحيدة التي تحمل إحدى سور القرآن اسمها: سورة مريم.

جاك الكلّاسي
جاك الكلّاسي رئيس مجلس إدارة تيلي لوميار_نورسات
6 مشاهدة
مريم... جسرا بين المسيحيين والمسلمين

مريم ليست اسماً عابراً في ذاكرة الإيمان، ولا امرأةً وقفت عند حدود التاريخ ثم غابت. إنها اسمٌ مضيء، عبر القرون، من قلب المسيحية إلى قلب الإسلام، إسم يحمل سرّ السماء وحنان الأمومة وقداسة الطهارة.
هي مكرّمة عند المسيحيين، ولكنها في الإسلام أيضاً تحتل مقاماً فريداً؛ فهي المرأة الوحيدة التي تحمل إحدى سور القرآن اسمها: سورة مريم. ويصفها القرآن بكلمات بالغة الجلال: «وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ» (آل عمران، 42). وفي سورة مريم، لا تظهر امرأةً عابرة في رواية التاريخ، بل إنسانة اصطفاها الله وطهّرها، وأحاطها بعناية إلهية جعلت من حياتها موضعاً للتأمل والإيمان.
لقد اختلف المسيحيون والمسلمون في الكثير من العقائد والتفسيرات، وتباعدت بينهم مسافات ثقيلة من التاريخ والجدل. لكن ثمة أسماء لا يستطيع الاختلاف أن يجرّدها من نورها. ومريم واحدة منها. عند اسمها تخفت أصوات السجال، ويصمت الخلاف، لأن القلب يعرف كيف ينحني أمام القداسة حتى حين يختلف العقل في تفسيرها.
في مشرقنا، تصبح مريم أكثر من شخصية دينية عظيمة؛ تصبح جسراً. اسمها يُنطق في الكنائس بمحبة، ويُذكر في المساجد بتكريم، وصورتها الروحية تفتح في جدار الاختلاف نافذةً على الأخوّة. وكأنها تقول لنا إن ما يجمع الإنسان بأخيه قد يكون أعمق من كل ما يفرّقه عنه.
فإذا عجزنا عن أن نتفق في كل شيء، ألا نستطيع أن نلتقي عند امرأة أكرمها الإنجيل وكرّمها القرآن؟ ألا نستطيع أن نجعل من محبتها مساحةً للقاء، لا ساحةً للجدال؟
ولعل أجمل تكريم نقدمّه لمريم في هذا الشرق هو أن نتوحّد، مسلمون و مسيحيّون، لبناء شرقاً جديداً يليق بها؛ شرقاً لا تخاف فيه أمٌّ على ابنها من أخيه الإنسان، ولا يتحول الاختلاف إلى كراهية، ولا  الدين الى صراع.
فحيث تُرفع الصلاة باسم مريم، ينخفض  العنف. وحيث تُذكر الأم التي اختارها الله وطهّرها، يتطهّر الإنسان من الشر. وحيث تلتقي القلوب عند مريم، يصعب على الأيدي أن تتقاتل.
ربما كانت رسالتها الأجمل إلينا، نحن أبناء هذا الشرق، أن القداسة لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالقلوب؛ وأن أعظم مزار يمكن أن نهديه لمريم هو إنسانٌ يرى في أخيه، مهما اختلف عنه، وجهاً يستحق الرحمة والمحبة والسلام