مريم… حين صار الرقادُ عبورًا إلى السماء
في الخامس عشر من آب، لا تفتح الكنيسة كتابها على صفحة موت، بل على صفحة سماء. لا تقف أمام نهاية امرأةٍ عاشت في الناصرة، بل أمام سرّ إنسانٍ اكتمل فيه وعد الله. إنّه عيد انتقال العذراء مريم إلى السماء، العيد الذي فيه تتأمل الكنيسة بوالدة المسيح وقد عبرت من ضيق الأرض إلى رحابة المجد، حاملةً في صمتها جوابًا عن السؤال الذي يسكن قلب كل إنسان: ماذا بعد الموت؟
لكنّ هذا العيد يطرح سؤالًا قديمًا وعميقًا: هل ماتت مريم أولًا، أم انتقلت إلى السماء من دون أن تعرف الموت؟ وهل انتقلت بالنفس فقط أم بالنفس والجسد؟
الكتاب المقدس لا يخبرنا كيف انتهت حياة مريم الأرضية، ولا يروي موتها. لذلك لا تملك الكنيسة رواية تاريخية تفصيلية عن لحظاتها الأخيرة. لكن التقليد المسيحي، وخصوصًا الشرقي، يتحدث عن «رقاد والدة الإله». والرقاد ليس مجرد كلمة لطيفة للموت؛ إنّه لغة إيمانية ترى في الموت نومًا ينتظر القيامة، وعبورًا لا نهاية له.
أما «النياح»، فهو الراحة والسكون بعد المسيرة الأرضية. وحين تتحدث الكنيسة عن نياح مريم، فهي لا تعلن غيابها، بل إنتقالها من تعب الأرض إلى راحة الله. لذلك تلتقي كلمات الرقاد والنياح والانتقال في معنى واحد: الموت ليس الكلمة الأخيرة.
وفي الشرق، تروي أيقونة الرقاد هذا السر بطريقة لا تستطيع الكلمات وحدها أن تفعلها. نرى مريم مستلقيةً على فراشها، بينما يقف المسيح إلى جانبها ويحمل نفسها بين ذراعيه في صورة طفل. يا لها من صورة لاهوتية آسرة! هي التي حملت المسيح في أحشائها، يحمل المسيح نفسها إلى الحياة. هي التي أعطته جسدها، يضمّها هو إلى مجده.
أما العقيدة الكاثوليكية، فقد أعلنت بوضوح أن مريم، بعد إتمام مجرى حياتها الأرضية، نُقلت بالنفس والجسد إلى مجد السماء. وهي بذلك لا تتحدث عن خلود روحها فقط، بل عن الإنسان بكليته. أما السؤال حول ما إذا كانت قد ماتت فعلًا قبل انتقالها، فلم تجعله الكنيسة عقيدة ملزمة؛ فجوهر الإيمان هو أن مريم، عند نهاية حياتها الأرضية، دخلت مجد الله بالنفس والجسد.
وهنا يكمن العمق الحقيقي للعيد.
فانتقال مريم ليس امتيازًا فرديًا منفصلًا عن مصيرنا، بل هو أيقونة مسبقة لما تعد به القيامة. في مريم نرى مسبقًا ما نؤمن بأن الله يريده للإنسان: ألا تبقى الروح وحدها في حضرته، بل أن يقوم الإنسان كله، جسدًا ونفسًا، إلى الحياة الجديدة.
إنه عيد يردّ للجسد كرامته. ففي عالمٍ قد يقدّس الجسد حتى العبادة أو يحتقره حتى الإلغاء، تأتي مريم لتقول إن الجسد الذي خلقه الله ليس سجنًا للروح، بل هو أيضًا مدعو إلى المجد.
مريم لم تهرب من الأرض. عاشت فقرها، وصمتها، وقلقها، وفرحها، ووقفت تحت الصليب حين بدا أن كل شيء قد انتهى. لكن الصليب لم يكن نهاية المسيح، والرقاد لم يكن نهاية مريم.
لهذا، في الخامس عشر من آب، لا نحتفل بامرأة غادرت الأرض فحسب بل نحتفل بوعد السماء.
مريم هي النافذة التي تطلّ منها الكنيسة على مصير الإنسان. إنها تقول لنا إن الموت، مهما بدا ثقيلًا، ليس جدارًا مغلقًا، بل بابًا يعبر منه المؤمن إلى حضرة الله.
في عيد انتقالها، تبدو السماء أقلّ بُعدًا. فقد دخلتها مريم، أمّنا في الإيمان، لا بالنفس وحدها، بل بالإنسان الذي أحبّه الله كاملًا: روحًا وجسدًا. ولذلك يبقى عيدها، في جوهره، عيدنا نحن أيضًا.
إنه الهمس الإلهي الذي يرافقنا في آخر الطريق: لا تخافوا الموت… فبعد الرقاد، هناك فجر. وبعد الأرض، سماء. وبعد العبور، الله.
ماري تريز الباشا حنين.
مريم حين صار الرقاد عبور الى السماء
تأمل في رقاد مريم العذراء