الكنيسة

سمعان العامودي

قصة حياة مار سمعان العامودي

55 مشاهدة
سمعان العامودي

سمعان العامودي... حين صار العمود طريقًا إلى السماء

في تاريخ المسيحية الشرقية، أسماءٌ لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بالصلاة، وبالصمت. أسماءٌ لم تبحث عن مجدٍ على الأرض، لأن عيون أصحابها كانت شاخصة إلى السماء. ومن بين هذه الأسماء يسطع إسم القديس سمعان العامودي، أحد أشهر نسّاك الشرق، الذي اختار أن يجعل من عمودٍ حجريّ موضعًا لإقامته، لا هربًا من العالم، بل بحثًا عن الله في عمق أعماق الذات.

وُلد سمعان، نحو سنة 392 للميلاد، في قرية صيص، في المنطقة الواقعة بين سوريا وكيليكيا، من أسرة بسيطة عُرفت بالتقوى. كان أبوه راعي غنم، لكن الصبي سمعان كان يحمل في قلبه، منذ نعومة أظفاره، عطشًا روحيًا يفوق عمره. يُروى أنّه، في الخامسة عشرة، دخل الدير، وبدأ حياةً قاسية من الصلاة والصوم والتقشف.

غير أنّ نسكه بلغ من الشدة حدًّا جعل استمرار حياته داخل الجماعة الرهبانية أمرًا بالغ الصعوبة. فاختار الوحدة، بناء على طلب من رئيس الدير كي لا يوقع إخوته في تجارب الضعف.

ذهب إلى منطقة تلانيسا قرب أنطاكية، وأقام أولًا في كوخ صغير، ثم انتقل إلى العزلة في مرتفع جبلي. وهناك، حدث ما يشبه المفارقة الإلهية: كلما ابتعد سمعان عن الناس، اقترب الناس منه أكثر. صاروا يقصدونه طالبين صلاته، ومستمدّين منه كلمة عزاء، أو رجاء، أو شفاء.

لم يكن سمعان يبحث عن الشهرة، لكن القداسة الحقيقية لا تستطيع أن تختبئ طويلًا. وحين أدرك أنّ توافد الناس يهدد خلوته، اختار أن يقيم على عمود صغير، ليحافظ على عزلته ويكرّس حياته للصلاة. إلا أنّ العمود الذي ظنّ أنّه سيحجبه عن العالم، جعله أكثر حضورًا في حياة الناس. وبدأ الزائرون يأتون إليه من أماكن بعيدة، لا ليروا غرابة حياته، بل لأنهم كانوا يشعرون أنّ في ذلك الرجل شيئًا يتجاوز الرجل نفسه.

ومع مرور السنوات، ارتفع العمود أكثر فأكثر، حتى قيل إن ارتفاعه بلغ حوالي 15 مترا. هناك، بين الأرض والسماء، عاش سمعان أعوامًا طويلة، تحت الشمس والمطر، قائمًا في الصلاة، صائمًا، متقشفًا، ساعيًا إلى تحرير الروح من كل ما يثقلها ويحول بينها وبين الله.

لم يكن العمود عند سمعان مجرد حجر يرتفع عن الأرض؛ كان مدرسة روحية. كان مكانًا يتعلّم فيه الإنسان أنّ الابتعاد عن العالم لا يعني بالضرورة الانتصار على الذات، وأنّ أصعب المعارك ليست دائمًا مع الخارج، بل مع الداخل: مع الكبرياء والخوف والأنانية والتعلّق، والبغض, ومع كل ما يحاول أن يحتلّ في القلب المكان الذي لا يليق إلا بالله.

ومن هنا، يصبح نسك سمعان أعمق من مجرد قصة رجل عاش فوق عمود. إنّه صورة لإنسان أراد أن يرتفع عن الأرض، لا ليحتقرها، بل ليكتشف حقيقتها من علٍ؛ أراد أن يبتعد عن ضجيج العالم، لكي يسمع صوت الله في أعماق صمته.

ومع أنّ سمعان عاش بعيدًا عن الناس، إلا أنّه لم يعش بعيدًا عن آلامهم. كانوا يصعدون إليه بأوجاعهم، فيحملها في صلاته، ويمنحهم كلمة رجاء، ويصلّي من أجل مرضاهم ومحتاجيهم. وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات حياته: كلما ارتفع عن الأرض، اقترب أكثر من الإنسان.

فالقداسة، في جوهرها، ليست هروبًا من العالم، بل تحريرًا للقلب كي يستطيع أن يحب العالم حبًا أنقى. لم يكن سمعان العامودي منفصلًا عن الإنسان، بل كان يحمل الإنسان في صلاته. ومن فوق عموده، لم يرَ البشر صغارًا، بل رأى جراحهم أكثر وضوحًا، لأن القلب الذي يقترب من الله يصبح أكثر قدرة على الاقتراب من الإنسان.

وفي الأول من أيلول سنة 459، انتهت رحلة سمعان على الأرض. يُروى أنّ تلاميذه وجدوه منحنياً في الصلاة. هو الذي عاش واقفا بين الأرض والسماء، عندما حانت ساعة اللقاء، انحنى أمام السرّ الأعظم، أمام الله الذي عاش عمره كله يبحث عنه.

قد يصعب على إنسان اليوم أن يفهم كيف استطاع رجل أن يعيش عشرات السنين فوق عمود، وأن يحتمل قسوة الطبيعة ووحشة العزلة ومشقّة الجسد. لكن ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف عاش سمعان فوق العمود؟ بل ماذا فعل العمود في قلب سمعان؟

لقد صار العمود رمزًا لمسيرة الإنسان نحو الله؛ فليس المهم أن نرتفع بأجسادنا عن الأرض، بل أن نرتفع بقلوبنا عن كل ما يستعبدها.

لم يصبح سمعان قديسًا لأنّه عاش فوق عمود، بل لأنّه جعل من حياته كلها صلاة. لم يكن العمود هو غايته، بل كان وسيلته؛ ولم تكن السماء مكانًا أراد أن يهرب إليه، بل حضورًا أراد أن يسكن في قلبه.

وهكذا يبقى سمعان العامودي، بعد قرون طويلة، شاهدًا على حقيقة لا يحدّها زمن: قد لا يستطيع الإنسان أن يصعد إلى السماء بقدميه، لكنه يستطيع أن يجعل قلبه سماءً حين يسكن الله فيه.

رفع سمعان حياته كالبخور، وترك للكنيسة الشرقية إرثًا من الصمت والنسك والصلاة. ومن عموده، الذي ظنّه الناس يومًا طريقًا إلى العزلة، صنع الله طريقًا إلى القلوب.

فكان العمود عاليًا، لكن الصلاة كانت أعلى؛ وكان سمعان بعيدًا عن الأرض، لكن قلبه كان قريبًا من الإنسان؛ وكان جسده واقفًا بين السماء والأرض، بينما كانت روحه، منذ البداية، تعرف طريقها إلى الله.