لبنان

الدولة وقضاؤها أمام امتحان المرفأ: قضية المرفأ قضية وطن بأكمله

ست سنوات مرّت على جريمة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، يوم فقد لبنان مئات الضحايا، وأصيب آلاف الأشخاص، ودُمّرت أحياء واسعة من العاصمة، وانقلبت حياة عائلات بكاملها. لكن هول الجريمة لا يُقاس فقط بعدد الضحايا أو بحجم الدمار، بل أيضًا بما كشفته من خلل عميق في عمل الدولة، وفي قدرتها على حماية مواطنيها ومحاسبة المسؤولين عن تعريض أمنهم وحياتهم للخطر.

26 مشاهدة
الدولة وقضاؤها أمام امتحان المرفأ: قضية المرفأ قضية وطن بأكمله

لبنان واحدًا من أشد أيامه إيلامًا. غير أن هذه الذكرى ليست مجرد وقفة مع مأساة مضت، بل موعد وطني متجدد مع الحقيقة والعدالة والمسؤولية.

ست سنوات مرّت على جريمة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، يوم فقد لبنان مئات الضحايا، وأصيب آلاف الأشخاص، ودُمّرت أحياء واسعة من العاصمة، وانقلبت حياة عائلات بكاملها. لكن هول الجريمة لا يُقاس فقط بعدد الضحايا أو بحجم الدمار، بل أيضًا بما كشفته من خلل عميق في عمل الدولة، وفي قدرتها على حماية مواطنيها ومحاسبة المسؤولين عن تعريض أمنهم وحياتهم للخطر.

من هنا، لم تعد قضية المرفأ قضية الضحايا وعائلاتهم وحدهم، بل أصبحت قضية وطن بأكمله، لأنها تتصل بجوهر العلاقة بين المواطن والدولة، وبين السلطة والمسؤولية، وبين القانون ومبدأ عدم الإفلات من العقاب.

منذ الأيام الأولى التي أعقبت الجريمة، أدركت نقابة المحامين في بيروت أن واجبها لا يمكن أن يقتصر على التضامن وإصدار المواقف، فبادرت إلى إنشاء مكتب الادعاء لمواكبة التحقيقات، وتمثيل الضحايا والمتضررين، وممارسة الوسائل القانونية المتاحة في لبنان والخارج، دفاعًا عن حقهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة.

وخلال السنوات الست الماضية، واكب مكتب الادعاء مختلف مراحل هذا الملف أمام المراجع القضائية المختصة، وتولى تقديم المراجعات والطلبات والمذكرات والدفوع القانونية، وتابع مسار التحقيق، ودافع عن حقوق المتضررين، وأسهم في إبقاء القضية حاضرة في الضميرين الوطني والقضائي.

لم يكن هذا المسار سهلًا أو طبيعيًا. فقد واجه التحقيق تعطيلات متكررة، وتنازعًا في الاختصاص، وعددًا كبيرًا من الدعاوى والمراجعات التي أدت إلى توقفه أو إبطائه لفترات طويلة. وانعكس ذلك مباشرة على الضحايا وعائلاتهم، الذين وجدوا أنفسهم أمام انتظار قاسٍ ومفتوح، وعلى حقهم الأساسي في الوصول إلى العدالة ضمن مهلة معقولة.

ومع ذلك، بقي موقف مكتب الادعاء ثابتًا: استقلال القضاء ليس امتيازًا ممنوحًا للقضاة، بل ضمانة مقررة للناس جميعًا. فحين يُعطّل القضاء، لا يُمسّ بحق القاضي وحده، بل بحق كل مواطن في الحماية والإنصاف والمساواة أمام القانون.

لقد أثبتت قضية المرفأ أن العدالة لا تستقيم إذا كانت انتقائية، وأن المساواة أمام القانون ليست مبدأ نظريًا، بل شرطًا لقيام الدولة واستعادة الثقة بمؤسساتها. ولا يجوز تفسير أي حصانة أو ضمانة وظيفية بما يؤدي إلى تعطيل التحقيق أو منع المساءلة، لأن الحصانات في الأنظمة الدستورية لم تُنشأ لحماية الأشخاص من المسؤولية، بل لضمان حسن ممارسة الوظيفة العامة ومنع الملاحقات الكيدية.

وفي المقابل، فإن التمسك بالمحاسبة لا يعني إصدار أحكام مسبقة أو إدانة أشخاص خارج قاعة المحكمة. لقد كانت مهمة مكتب الادعاء، منذ البداية، دفاعًا عن العدالة، لا استهدافًا لأشخاص أو مواقع. فالقضاء وحده هو المخوّل تحديد الوقائع، وتقييم الأدلة، وتعيين المسؤوليات، وإصدار الأحكام، في ظل احترام كامل لقرينة البراءة وحقوق الدفاع وأصول المحاكمة العادلة.

واليوم، بعد ست سنوات من التحقيقات والإجراءات، بلغ الملف مرحلة قضائية مفصلية. فقد أنجز المحقق العدلي أعمال التحقيق التي قام بها، وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها وفقًا للأصول القانونية.

تشكل هذه الإحالة محطة أساسية في مسار الدعوى، إذ يُنتظر أن تصدر مطالعة النيابة العامة التمييزية ضمن مهلة معقولة، ليتمكن المحقق العدلي، بعد ذلك، من إصدار قراره الاتهامي.

ولا يمثل القرار الاتهامي نهاية القضية، بل هو البوابة القانونية للانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاكمة. وبعد صدوره، ينتقل الملف إلى المجلس العدلي، حيث تبدأ المحاكمة العلنية، وتُناقش الوقائع والأدلة، وتُستمع الإفادات، وتُقدّم المرافعات، ويمارس جميع الأطراف حقوقهم كاملة، وصولًا إلى صدور الحكم النهائي باسم الشعب اللبناني.

تكمن أهمية هذه المرحلة في أنها الاختبار الفعلي لقدرة القضاء اللبناني على بلوغ غاية العدالة. فالمطلوب ليس حكمًا سياسيًا أو شعبيًا، ولا عدالة انتقامية، بل محاكمة مستقلة وشفافة تُبنى أحكامها على الأدلة والقانون وحدهما.

ومن شأن علنية المحاكمة أمام المجلس العدلي أن تتيح للبنانيين، ولا سيما أهالي الضحايا، متابعة مناقشة الوقائع والأدلة والمسؤوليات أمام الهيئة القضائية المختصة. فقوة القضاء لا تكمن فقط في إصدار الأحكام، بل أيضًا في إقناع المجتمع بأن هذه الأحكام صدرت باستقلال ونزاهة، وبعد احترام كامل للضمانات القانونية.

ولا تختصر حقوق الضحايا بمعرفة الحقيقة وحدها، بل تشمل حقهم في المحاسبة وجبر الضرر، وحقهم في الاطمئنان إلى أن الدولة استخلصت من هذه الجريمة الدروس اللازمة لمنع تكرارها، من خلال تعزيز الرقابة والشفافية والمساءلة وحسن إدارة المرافق العامة والمواد الخطرة.

إن مرور ست سنوات لا يبدل طبيعة الجريمة، ولا يخفف من جسامة نتائجها، ولا ينتقص من حق الضحايا في العدالة. فالزمن لا يُغلق القضايا الكبرى، ولا يشفي الجروح الوطنية ما لم تقترن الذاكرة بالحقيقة والإنصاف.

إن وفاءنا للشهداء لا يتحقق بمجرد استذكار أسمائهم، على أهمية ذلك، بل بمنع تحول دمائهم إلى ملف منسي، وبالإصرار على أن تصل القضية إلى نهايتها القضائية الطبيعية. فالدولة التي تعجز عن كشف الحقيقة في جريمة بهذا الحجم تفقد جزءًا أساسيًا من ثقة مواطنيها، أما الدولة التي تحمي قضاءها وتحترم أحكامه فتستعيد هيبتها ومشروعيتها.

في الذكرى السادسة لجريمة المرفأ، يجدد مكتب الادعاء في نقابة المحامين في بيروت التزامه مواصلة رسالته المهنية والوطنية إلى جانب أهالي الضحايا والجرحى والمتضررين، وتمسكه بمبدأين متلازمين: لا أحد فوق القانون، ولا مسؤولية تُحدّد إلا بحكم قضائي يصدر وفق الأصول.

كما يتوجه المكتب بالوفاء إلى أرواح شهداء الرابع من آب، وبالتقدير إلى الجرحى والناجين وعائلات الضحايا الذين حملوا وجعهم بكرامة، ولم يتخلوا عن حقهم في الحقيقة رغم طول الانتظار. ويتوجه بالشكر إلى جميع الزميلات والزملاء المحامين الذين وضعوا خبراتهم وجهودهم في خدمة هذه القضية، وإلى كل من ساهم في حماية التحقيق وإبقاء صوت العدالة حاضرًا.

إن قضية مرفأ بيروت لن تُقفل بمرور الزمن، ولن تُطوى بالنسيان، بل يوم يقول القضاء كلمته الأخيرة. وعندما يصدر الحكم النهائي، لن يُنصف الضحايا وحدهم، بل ستستعيد الدولة جزءًا من هيبتها، ويستعيد المواطن شيئًا من ثقته بمؤسساتها، وينتصر منطق القانون على منطق الإفلات من العقاب.

عدالة المرفأ ليست حقًا للذين رحلوا ولعائلاتهم فحسب، بل عهد للأجيال المقبلة بأن لبنان ما زال قادرًا على أن يكون دولة قانون ومؤسسات.