ان كتابة تاريخ لبنان، كما تدريسه، اشكالية مزمنة، تطفو من جديد على سطح احداثنا الداخلية، في سياق تحديث المناهج التربوية، ومحاولة وضع مادة التاريخ في ظل عنوان اشمل، يضم علوماً واختصاصات أخرى. من الثوابت ان العلوم االنسانية، ولنقل ّ العلوم، جل ّ ها او كلها، متجاورة ومتالزمة الى حد التكامل، تتداخل وتتقاطع في كثير من النقاط المشتركة، بحيث أنه يستحيل قراءة التاريخ، مثال،ً كحدث عابر، بمعزل عن عوامل واكبته وطبعته؛ علماً ان هذه األخيرة، التي تشكل بذاتها مواداً تعليمية، كالجغرافية، او علم االجتماع، او علم السياسة، باتت عرضة لالدماج، وفق حساب استقاللية مادة التاريخ. ّ توجه المناهج التربوية الجديدة، وإن على هذه االشكالية، التي نحاول مقاربتها في هذا العدد، والتي تواجه اراء متعارضة وضعها اصحابها في عهدة رئيس الحكومة، ال يجب ان تطال مبادئ وطنية ّ اساسية باتت من المسلمات، كأن تنتقص، مع »تهميش »مادة التاريخ، من ِّ مقومات الهوية الوطنية، المؤسسة على تاريخ الوطن، ومتانة االنتماء، وروحية االلتزام الذي تفرضه الهوية. المهم، في هذا االشتباك الفكري، الصدقية التي تصاغ فيها المناهج، والشفافية التي تواكبه، والهدفية الرامية الى تربية اجيال جديدة، تقرأ مستقبل وطنها انطالقاً من تاريخه، بكل تعرجاته وتجاربه. ً والمهم األكثر ضرورة ان تنطلق التربية من الحقيقة كما هي، ال من محو تاريخنا او تشويه احداثه او اسدال الستار عن محطاته الموجعة، بل على تمكين النشئ ّ من ان يتعلم مما اصابنا، ويدرك ثمن ّرته، فتبقى الحروب والنزاعات التي دم ً ماثلة امامه، كما كنيسة القيصر )فيلهلم( ّرة، والتي رفض وسط برلين، المدم المواطنون ازالتها، فبقيت على حالتها منذ الحرب العالمية الثانية، وصارت، ً مع برجها المجدد، عالمة لكلفة الحروب ودعوة الى المصالحة والسالم. وكذلك القول عما تبقى من اهراءات المرفأ في بيروت، ونحن في ذكراه السادسة، حيث ال بد من االبقاء عليها لتكون اطاللها عبرة لمن يعتبر، وادانة لمن سيعتبر مسؤوالً يوماً ّ . عل ّ التاريخ يوفر العدالة ألصحابها، في غياب او تغييب المعنيين بتوفيرها. ان فاتورة الحروب والعنف والثورات االهلية مكلفة، وال يمكن انكارها او طمرها في رمال النسيان، بل االستمرار في التذكير بمآسيها، وخطورة كلفتها، وآثارها التي يخشى ان تستمر مفاعيلها طويال.ً هو الدور االساسي المنوط بالتربية واهلها، اوال،ً وباالعالم ووسائل التواصل، ثانيا،ً وكذلك باالهل كما بسائر الناشطين في المجتمع األهلي. مع التاكيد ان هذا الدور يتخطى مادة التاريخ، ليطال سائر المعارف، كالجغرافية والديموغرافية ّالت السياسية واالنتروبولوجية والتحو وحركة الشعوب وابرزها اللجوء والهجرات على اختالفها...وليس من يجهل ان للقوانين االنسانية دوراً في التوعية، وفي التدخل، من خالل مؤسسات العناية الهادفة الى التخفيف من حدتها، وابرزها الصليب االحمر-ضيف هذا العدد- والى توفير الحق بالحياة اآلمنة والمطمئنة للمواطن، بغية تمكينه من عيش واقع افضل، انطالقاً من تاريخ صريح، وحاضر صحيح، في وطن تطيب فيه، ومعه، الحياة.
رئيس التحرير